ابن الجوزي
296
صيد الخاطر
في صور الناس . ومنهم أرباب معاش يطففون المكيال ويخسرون الميزان ويبخسون الناس ويتعاملون بالربا وفي الأسواق طول النهار لا همة لهم الا ما هم فيه ، فإذا جاء الليل وقعوا نياما كالسكارى فهمة أحدهم ما يأكل ويلتذ به ، وليس عندهم من الصلاة خبر ، فإذا صلى أحدهم نقرها أو جمع بينهما ، فهؤلاء في عداد البهائم . ومن الناس ذوو رذالة في جميع أحوالهم فهذا كناس وهذا زبال وهذا نخال وهذا يكسح الحش « 1 » فهؤلاء أرذل القوم . ومنهم من يطلب اللذات ولا يساعده المعاش فيخرج إلى قطع الطريق ، وهؤلاء أحمق الجماعة ، إذ لا عيش لهم فان التذوا لحظة بأكل أو شرب فحركت الريح قصبه هربوا خوفا من السلطان ، وما أقل بقاءهم ، ثم القتل والصلب مع اثم الآخرة . ومنهم أرباب قرى قد عمهم الجهل ، وأكثرهم لا يتحاشى من نجاسة ، فهم في زمرة البقر . ورأيت النساء ينقسمن أيضا ، فمنهن المستحسنة التي تبغي « 2 » ومنهن الخائنة لزوجها في ماله ، ومنهن من لا تصلي ولا تعرف شيئا من الدين فهؤلاء حشو النار . فإذا سمعن موعظة فإنها كما مرت على حجر وإذا قرئ عندهم القرآن فكأنهن يسمعن السمر . وأما العلماء فالمبتدئون منهم ينقسمون إلى ذي نية خبيثة يقصد بالعلم المباهاة لا العمل ، ويميل إلى الفسق ظنا أن العلم يدفع عنه ، وإنما هو حجة عليه . وأما المتوسطون والمشهورون فأكثرهم يغشى السلاطين ويسكت عن انكار المنكر ، وقليل من العلماء من تسلم له نيته ويحسن قصده . فمن أراد اللّه به خيرا رزقه حسن القصد في طلب العلم ، فهو يحصله لينتفع به وينفع ، ولا يبالي بعمل مما يدله عليه العلم فتراه يتجافى أرباب الدنيا ، ويحذر مخالطة العوام ، ويقنع بالقليل خوفا من المخاطرة في الدنيا في تحصيل الكثير ، ويؤثر العزلة فليس مذكرا بالآخرة مثلها ، وليس على العالم أضر من الدخول على السلاطين فإنه يحسّن للعالم الدنيا ويهون عليه المنكر ، وربما أراد أن ينكر فلا يصح له ، فان عدم القناعة وغلبته نفسه في طلب فضول الدنيا سلم عليه لأنه يتعرض بأربابها .
--> ( 1 ) كل هذا لا عيب فيه ان اضطر المرء اليه ، واتقى اللّه فيه . ( 2 ) أي الجميلة التي تصير بغيا .